هل هناك تحالف تاريخي بين الذكورة والإحكام الفقهية الاجتهادية ضد المرأة..؟!
الاستبيان الذي أجرته قناة الـ LBC اللبنانية في ثنايا برنامج «الحدث» حول الحكم الصادر في ق
ضية «فتاة القطيف» والذي ساءل مجموعة من الرجال والنساء معظمهم من فئة الشباب، حول رأيهم في الحكم الصادر بحق الفتاة، جاء الجواب منحازاً لصالح الحكم ضد الفتاة من قبل جميع الذكور، فضلاً عن نسبة كبيرة من النساء اللاتي أكدنا بما لا يدع مجالاً للشك قوة البرمجة الرمزية للتحيزات الذكورية الفارطة التي توغلت في جيناتنا الوراثية وأصابتنا باختلال بنيوي عميق مس جميع تصوراتنا الشعورية واللاشعورية وبالتالي أحكامنا وحتى الشرعية منها والتي كان يجب أن تكون بعيداً عن تحيزاتنا أياً كانت، بما أنها صادرة من عند خالق الذكر والأنثى «سبحانه» من نفس واحدة دون تفضيل إلا بالتقوى، والتي هي ميزان العدالة الإنسانية للإنسان المسلم وسر دافعيتها، لقد قمنا ولا زلنا نوظف كل طاقتنا الذكورية ضد المرأة وننتشي فرحاً إذا ما لاقت على أيدينا أشد أنواع الإحكام وعقوباتها
.
إي حقدٍ دفين أو أي خوف مبطن هو هذا الذي نظهره أو نخفيه ضد المرأة..؟ وأي جرم فادح تاريخي ارتكبته المرأة كي نداوم بميراث متعفن تصويب سهامنا ضدها بدم بارد..؟! وإلى متى نتبجح بالخوف بالمحافظة على شرف المرأة ونحن الذي ندنسه، ونعتدي عليها بعنف بكل أصناف القسوة دون هوادة، ونوظف بخبث ورعونة كل طاقاتنا الممكنة لقتلها مراراً وتكراراً دون شفقة ورحمة..؟! بل كيف استطعنا أن نقنع المرأة بأن تكون ضد نفسها، وأن ترضى بقدرها المتدني المستبعد والمقصي عن الحياة وتضل في قبرها التاريخي المديد..؟!
ربما لا تكون هناك نهاية للأسئلة التي يمكن تسجيلها في هذه الموضوعة الإشكالية، ما دام وقع الظلم والعنف مستشرياً وناشباً في أحكامنا وأفعالنا ضد المرأة، إلا أننا نريد أن نشرك القارئ الكريم في ممارسة نقدية تجاه ما يجري، رغم اعترافنا بمستوى التحسن الطفيف الذي طرأ على وضع المرأة، إلا أننا لا زال نغرق في مستنقع الوباء العظيم «التحيز الذكوري ضد المرأة».
أن مفاعيل كثير من تاريخية الفقه والفكر الإسلامي يمكن مماحكته بل ومحاكمته على ما أزجى من صنوف الإحكام المتحيزة ضد المرأة، وذلك بتحالفه الضمني مع العادات والتقاليد وكل أنواع الانعكاس الثقافي، على المنتج الثقافي العام الذي لم يتجاوز الواقع السيئ الذي يعيشه الإنسان، فضلاً عن واقع المرأة، وضل مأسوراً لماضوية الأحكام والثقافة السلفية في بنيتها القارة في التراث، وكذلك في محاباة الواقع السيئ والتكيف معه وبالتالي عدم تجاوزه بالتمرد على تصوراته بنيوياً، فكيف بنا إذا ما تمددنا إلى الرغبة في قياس مهمات هذا الفكر التاريخي الإسلامي في مبناه المبدع نحو المستقبل، أي في حضور الزمن الثالث ووجود المفارقة النوعية لفكر يجنح نحو التغيير والتقدم..!؟
أظن أننا لا نزلنا نضع رؤوسنا في التراب كالنعام، ونحن نتكلم عن تفكيك البنيات الثقافية التي نشأنا في حوزتها، خصوصا في تاريخية تلك البنيات، التي ما فتئت تحضر في تصوراتنا القبلية في كل قراءة ندعي جدتها ومعاصرتها لواقعنا، ولست أعجب من دعوة تجديدية لفقيه أو مفكر أو مثقف يتناول كل مهمات التجديد الثقافي باجتهاد موضوعي بحسب وجهته المنهجية، فإذا ما قارب موضوعة «المرأة» طفق يركن لمشهور الفقه في تلافيفه المختلة والمعبأة بالتحيز الذكوري المبهم، إلا من خوف عميق لحضور المرأة كإنسان مستوفي شروط إنسانيته.
لقد أخذنا تحيزنا الذكوري ضد المرأة، والذي لم تسلم منه المرأة نفسها بقبولها واقها السيئ، وعدم الخروج عليه، نحو دوامة الركون إلى تخلف شامل سببه غياب النصف الإنساني الآخر لتكاملية منطق التقدم، وتغيب البعد الإنساني والاجتماعي للمرأة، وإبعادها عن حقوقها كحقيقة مستقلة، والحكم المسبق التحيزي حول جدوى انوجادها في الوقع المجتمعي الخاص والإنساني العام، والارتكاز على قانون العرف والتقاليد، حتى في الحكم الفقهي الذي كثيراً ما يداريهما، ويكون نتاجه على منوالهما، وعندهما يكون هناك تطلع لتجاوز هذا الواقع السيئ ، برؤى اجتهادية ناجزة في معناه الإنساني وقادرة على ترسيخ قيمة منهجية ومعرفية متعادلة ترفد المرأة باستحقاق إنسانيتها المستقلة، إلا وتتحالف فيه قوى الأعراف والتقاليد والإحكام الفقهية المتحيزة والذكورة المتسلطة على استخدام كل سلطتها ونفوذها واستبدادها نحو تعويق مهمات تلك التطلعات المشروعة، والتي لن يكون لها تحقق إلا بالمزيد من الإصرار والمثابرة.
أننا كثير ما صرنا نسمع عن ألقاب تسبغ على هذا الكاتب أو ذاك، وننعت الكثير منهم بالتجديد والتجاوز في الرؤى، وكثير منهم ينظرون حتى في موضوعة المرأة، لكنهم يعترفون في جدالنا المباشر معهم بأن تجديدهم ولربما حداثتهم بحسب تنطعهم، لا تستطيع أن تتجاوز في موضوع المرأة ذلك الواقع الغالب، أو ربما كان البعض أكثر بجاحة في إعلان ازدواجيته حينما يبلغنا أو يتصرف بإيجابية مصطنعة تجاه كل نساء العالم ليثبت لهم شفافيته المفتعلة والتي لا يمس بها أي من النساء القريبين منه بل يقف سجاناً وسدا مانعاً لآي خروج عن بيت طاعته وسجنه وممارسة إجهاض إي محاولة لإعلان المرأة عن استقلاليتها الإنسانية.