كيف نحلّل قصف الولايات المتّحدة لأفغانستان؟ هل هذا القصف هو إعادة تأكيدٍ للقوّة بطريقةٍ شعائريّة؟ هل هو انتقام من عمليات اختطاف الطائرات في 11 سبتمبر، والدمار والضرر اللاحق بمركز التجارة العالميّ والبنتاغون على التوالي وموت الألوف من الأبرياء؟
هل هو عرض الأسلحة الأمريكية وإبرازها للمُشترين الدوليّين؟ هل هو من أجل ضمان خطوط إمداد النفط وموانئ المياه الدافئة وفقاً لمذهب كارتر؟ هل هذا القصف من أجل تحرير العالم من الإرهاب والإرهابيّين، أم من أجل إحياء السلام، ثمّ الديمقراطية في أفغانستان؟ هل هو، بالإضافة إلى كلّ ذلك، لتحرير النساء الأفغانيات من اضطهاد طالبان "رغم أنّ الثقافة البطريركيّة ليست من أبقاهم في الخلف سواء في أفغانستان أو في مخيّمات اللاجئين في باكستان"؟ هل هو التصميم الأمريكيّ بعدم العيش في الخوف، أم هو من أجل أسامة بن لادن؟
لماذا تكون الإجابات على هذه المسألة هامّة؟ لماذا يتوجّب علينا أن نؤسّس أولويّة لجواب واحد، وذلك من خلال التسلسل الهرميّ للحديث عن أهداف الولايات المتّحدة وأولوياتها؟ هذا محتمل، لأنّنا نشعر بحاجة سريعة لفهم السياسة العالميّة. لكن كي نفهم الجنون المستمرّ والأخير، لا يمكننا أن نحصر أنفسنا بالتفسيرات السائدة، سواء كانت من منظور ليبراليّ تقدّميّ أو منظور يساريّ موجّه.
في السياق الراهن، لمحاولة فهم القصف الأمريكيّ لأفغانستان، نحتاج للنظر إلى القضيّة من وجهة نظر أفغانيّة، وضمن وجهة النظر تلك، خلال عدسة الجنس. تنبني هذه المادّة القصيرة على مقابلات مع اللاجئات من النساء الأفغانيات اللواتي عشْنَ، ليس فقط القصف الأمريكيّ، وعنف حلف الناتو، بل أيضاً، أنواعاً أخرى من العنف قبل قصف السابع من أكتوبر. في ذلك السياق، بالنسبة للأفغانيّين لم يكن القصف والدافع له متّصلَيْن بالصدمة من أنّ الولايات المتّحدة وبعض الدول الأخرى حول العالم قد اختبروها. بالنسبة للأفغانيّين، يمثّل القصف مع ذلك موجة أخرى في تاريخ النزاع المستمرّ لمدّة 21 عاماً. ومرّة أخرى، أجبرتهم على الخروج من ديارهم وبلادهم، جعلتهم لاجئين غير آمنين أو "أشخاصاً مشرّدين داخليّاً"، لأنّه ليست هناك دولة تسمح لهم بالدخول إليها.
وفقاً لترينه تي. مينه-ها «12:1994» قصّة اللاجئين "يفضح سياسة القوة في شكلها الأكثر بدائيّة… شراسة القوى الكبرى، ووحشيّة الدول القومية، والجشع وإجحاف الناس". تتضّمن قصّة اللاجئين الأفغان، حكايات الرعب التي شنّتها القوى الكبرى والدول المجاورة بالإضافة إلى شعبهم. وبالتالي، على مستوى واحد لا يهمّ إذا ما صُنّعت القنابل في الولايات المتّحدة أو الاتّحاد السوفيتيّ السابق. ما يهمّ الناس هو ما تفعله هذه القنابل بهم عند سقوطها. صرّحت امرأة أفغانيّة في باكستان، وهي لاجئة حديثة من القصف، "جانغ شو- كابول تاا رالوو" أي:"نشب القتال ووصل كابول"، أو امرأة أخرى تعبّر عنه بطريقة غير واضحة، "أصبحت الظروف لا تطاق" بمعنى أنّ القصف كان مفزعاً، بالنسبة للنساء حينها، ما كان يهمّ هو أنّه يتوجّب عليهنّ الفرار من منازلهنّ كي يكنّ في أمان، كان هذا هو الحال بالنسبة للنساء أكثر من الرجال ممّن لديهم بعض الحساسيّة للقنابل التي كانت تتساقط، رغم أنّ الكثيرين تعلّموا النأي بأنفسهم عن الفصائل المتحاربة. بالنسبة للعديد من النساء الفقيرات المشرّدات وأطفالهنّ، إزالة طالبان والقتل والنهب الذي نفّذه حلف الناتو لا يرقى إلى التحرّر، ولا كذلك وعود الديمقراطية تحمل المعنى. ما يؤكّدنه هو حاجتهنّ للسلام "قرار- آرامي". مثلاً، عندما سئلت إحدى المستجيبات إذا ما كان ابنها سيشنّ/ يستمرّ في الجهاد "الحرب المقدّسة"، أكّدت على الفور بأنه سيعمل على إحلال السلام فقط. هذا مناقض لما قالته الأم قبل عشرين عاماً، والتي كانت ترغب بالتضحية بحياة ابنها لأجل الحرب.
بالنسبة للعديد من النساء الأفغانيات الفقيرات، الاهتمام أوّلاً وقبل كلّ شيء "كما لأيّ شخص آخر" هو التأمين على أنفسهنّ وعائلاتهنّ. جنباً إلى جنب، هذه هي حاجتهنّ للمنزل والحنين إلى الوطن المفقود. كلاهما في سياق الفضاء الجغرافيّ بالإضافة إلى الرمزيّ. هذه الحاجة عادة تذهب من دون أن يعترف بها، فالمنزل لا يُعطى أيّة أهمّيّة في سياق السياسة الدوليّة رغم كونه جزءاً لا يتجزّأ من تشكيل الدولة واستمراريّتها. إنّها الدولة القوميّة التي تشكّل الوحدة الأساسيّة للتحليل، تتجاهل تماماً حقيقة أنّ صرح الحياة الاجتماعية في دولة مشيّد على تركيب المنزل.
يربط المرء الحروب مع ساحات المعركة ومع الرجال، سواء ركبوا الأحصنة، أو الدبّابات، أو سيارات الجيب، أو الهليوكوبتر أو الطائرات. الحروب مرتبطة مع فضاءات مفتوحة على مصاريعها، الفضاءات العامّة. هذا يجعله ملائماً لاستهداف وقصف البلدان ويجعله ممكناً للحديث من ناحية "القصف المستهدف" "القصف الشامل" و"الضرر العرضيّ". المنازل مرتبطة بالنساء وبالعائلة، لذا يخصّون المجال الخاصّ، واعتبرت خارج نطاق الحرب بشكل عامّ. على أيّة حال، المنازل مستهدفة في أزمنة الحرب والنزاع، هذا لأنّ تدمير المنازل والقرى يسبب الوهن لدى الناس، ويستعمل كأداة الحرب لنشر الذعر والتخويف. ميل الجيوش الغازية في الماضي للقتل والنهب وحرق ما لم يستطيعوا حمله معهم، أسفر عن تدمير المجتمعات المحلّيّة والقرى بأكملها. بينما تمّ توثيق هذا على نطاق واسع، وبشكل آنيّ يختبره الأفغانيّون على أيدي الأجانب فضلاً عن شعبهم، القليل جداً من الناس نظر إلى القضايا التي تنشأ عن أعمال العنف هذه.
توجد، عند دمار المجتمع والمنزل، نتائج تتجاوز الوجود المادّي لهذه الأمكنة. هذه المجموعة من أفكار الذات، والهوية، والإبداع، والعلاقات الشخصية والمنظور الفرديّ للعالم. بعض هذه القضايا عالجها وحلّلها الأنثربولوجيّون في سياق النزاعات الأخيرة. على أيّة حال، هذه الاعتبارات محصورة بشكل عامّ، لتوثيق وحفظ التغيّرات في العلاقات الإنسانيّة في سياق العنف الفرديّ، مثل القتل، والاغتصاب، والعنف الشعائريّ. يفهم المرء نادراً هذه الاعتبارات التي تجعل الاتّصال بين عنف الحرب والنزاع في ارتباط مع طرد الناس من ديارهم.
هجر المنزل ليس فقط من أجل الحصول على الأمن، إنّ هجر المنزل رمزيّ أيضاً وراء إحساس الهوية، والثقافة، والتاريخ الجمعيّ والشخصيّ. في الحقيقة لكلمة المنزل عدّة دلالات بالنسبة للنساء، لذا، فإنّ هجرانه أو دماره أوصنعه ذو أهمّيّة. المنزل هو المصدر الأساسيّ للهوية بالنسبة للمرأة، ليس فقط لأنّ كليهما مرتبط بالدرجة الأولى بالنطاق الخاصّ، لكن أيضاً، لأنّ المنزل مُستقرّ النفس، والثقافة والانتماء. هذا حقيقيّ بالنسبة للرجال كما للنساء؛ على أيّة حال، نتيجة للدور التاريخيّ؛ الذي تلعبه النساء في صنع المنزل، يُعرفن كثيراً به.
فهم النساء وتصوّرات المنزل ينطوي على عديد المواضيع التي تتّصل بكلّ من الطور الفيزيائيّ بالإضافة إلى الطورين المعنويّ والمتخيَّل. يمثّل المنزل إضافة إلى كونه انعكاساً للنفس وللحالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، الفضاءَ حيث يمكن لهنّ أن يكنّ سعيدات وآمنات، وخلّاقات ويتمتعنّ بالدعم العائليّ. في الوقت نفسه، نتيجة لدرجة العنف والدمار القصوى، المرتكبَين جرّاء الحرب، لم يعد المنزل والوطن من رموز الحماية والأمن. كلاهما مرآة تحمل الخطر للناس أنفسهم الذين يحتاجون الملاذ والحماية. تمّ اختبار هذا الخطر عدّة مرّات، ممّا أدّى لمضاعفة العذاب مرّات كثيرة، كما في حال اللاجئين الأفغان، الذين يظلّون فارّين من بلدهم وديارهم، في مواجهة القصف والقتال المستمرّين.
جعلت هذه العملية بعض النساء أيضاً بدون مأوى تماماً، ليكنّ غير قادرات على تصوّر وجود مكان يُدعى المنزل. قالت إحدى اللاجئات من النساء الأفغان: "ليس لدينا منزل في أيّ مكان. تركنا كلّ شيء وراءنا… وقد تبدّد المنزل إلى أشتات". استأجرت هي وزوجها في الوقت الحاضر غرفة صغيرة في منزل مؤلّف من أربع غرف طينيّة "بالاشتراك مع ثلاث عائلات أخرى" في مستوطنة مستحلّة وهي لا تغادره، لأنها لا تملك خبرة مسبقة في الخروج، لكنها غير مرتاحة كثيراً لأنّ رجال العائلات الأخرى يأتون ويذهبون كما ومتى يشاؤون، دون أن يتركوا مساحة للخصوصيّة أو لستارة "اختلاء معتدل". تحديداً هذا ليس المنزل التي تستطيع فيه أن تعتبره "منزلك".
المواضيع التي تظهر من المقابلات هي حول الدمار الناتج عن الحرب، والوفيات نتيجة الصواريخ والقنابل والحنين للعودة إلى المكان الذي كان منزلاً وصار مُدمّراً. يتحدّث العديدون عن ألم العودة في ظلّ الحكومات المتعاقبة، فقط لاكتشاف أنّ الدمار نفسه والحرب القاسية مستمرّة، كما كانوا غير آمنين كذلك في السابق. لذلك هناك شعور بأنّ الخيانة لا يخفّفها إحساس الغربة في باكستان. منزلهم ليس "منزلاً"- إنّه مكان، بيت طينيّ، بيت مأجور، مخيّم أو خيمة. إنّه ليس منزلاً. هناك أفكار دائمة بالعودة لديارهم وهذا يمنعهم من التوصل إلى تفاهم مع الحاضر. رفضهم القبول بانتقالهم كشكل نهائيٍّ "نوعاً ما المستضيفون أيضاً لا يريدونهم أن يفعلوا ذلك" يجعلهم يشعرون أنّ الحاضر "مؤقَّت" رغم أنّه قد أثّر على حيَواتهم بشكل دائم وكبير جدّاً.
نخلص أيضاً إلى أنّ النزوح، سواء من بلد المرء أو خارجه، له انعكاسات ليس فقط فيما يتعلّق بالأمن المادّيّ، بل أيضاً القلاقل فيما تخصّ الجوانب غير المادّيّة التي تشكّل أساس انتماءاتنا، من نكون. هذه القضايا تتضمّن الانتماءات المتغيّرة، التمزّقات في معانيها وتصوّراتنا عن أنفسنا وتصوّرات الآخرين عنّا. هذه الانتماءات تخصّ الرجال والنساء أيضاً. بالنسبة للعديد من النساء، الذاكرة آليّة هامة لمواجهة أعباء الحياة. الذاكرة تنفع للحفاظ على انتماءاتهم الطبقيّة والاجتماعيّة، بل انتماءاتهنّ الوطنيّة أيضاً، والارتباط مع موطنهنّ كشيء جميل. على أيّة حال، بشكل آنيّ، تمنعهنّ ذاكرة العنف من أن يروين تجربتهنّ الخاصّة في تاريخ جماعيّ أو وعي جماعيّ.
لا أودّ أن أنهي بنبرة من التشاؤم. كعالمة اجتماع، أودّ أن أرى فضاءات جديدة تخلقها النساء الأفغانيات اللاجئات في خضمّ العنف الهائل الذي يواجهنه. إنّني على ثقة من أنّ هذه الفضاءات، والسياسة الجديدة، سوف تظهر في النهاية. على أيّة حال، بالنسبة للوقت الحاضر، يتعيّن علينا أن نعترف بأنّنا تعرّضنا لصدمات متعدّدة في مستويات متعدّدة، وأنها تتطلب فترة راحة لالتقاط الأنفاس - فضاء ووقتاً لإحداث معالجة جماعيّة وشخصيّة للقدرة على الإبداع والانطلاق. يحتجن إلى القدرة ليروين تجربتهنّ الجماعية وفهم خسارتهنّ وحزنهنّ بإعطائه معنى. في الوقت الراهن يحتجن وقتاً للاستراحة. بالنسبة لنا توقّع قصص الشجاعة العظيمة، البقاء على قيد الحياة والحكمة الغريبة الأصليّة هو البدء لعرض خطاب وفكرة جديدة عليهم.
بينما نحاول أن نفهم السياسة الدوليّة في حين أنّها تلعب نفسها بحيَوات الدول وشعوبها. تحاول النساء الأفغانيّات، فهم فقدان الأقارب والوطن، سلّط عليهنّ ذلك عدوٌّ مجهول؛ عدوّ من دون شكل. كما أنّهنّ يقومن برحلة آمنة إلى بلد معادٍ أو ينتهي بهم المطاف في معسكر على حدود بلدهم الذي يقصف باستمرار. قلقهنّ الأصليّ، هو مع أمنهنّ ومع محاولة إعادة خلق المنزل المفقود، واستعادة الشعور بالأمن الذي يأتي مع شعور الوجود في الوطن.
المصدر :
http://www.alawan.org/%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9%D9%8F-%D8%A7%D9%84%...